أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

29

العقد الفريد

مرة ، فلما رأوه قال لهم هاشم : هذا صخر فحيّوه وقولوا له خيرا . وهاشم مريض من الطعنة التي طعنه معاوية ، فقال : من قتل أخي ؟ فسكتوا ، فقال : لمن هذه الفرس التي تحتي ؟ فسكتوا ، فقال هاشم : هلمّ أبا حسّان إلى من يخبرك ! قال : من قتل أخي ؟ فقال هاشم : إذا أصبتني أو دريدا فقد أصبت ثأرك ! قال فهل كفنتموه ؟ قال : نعم ، في بردين : أحدهما بخمس وعشرين بكرة « 1 » . قال : فأروني قبره . فأروه إياه ، فلما رأى القبر جزع عنده ، ثم قال : كأنكم قد أنكرتم ما رأيتم من جزعي ، فو اللّه ما بتّ منذ عقلت إلا واترا أو موتورا ، أو طالبا أو مطلوبا ، حتى قتل معاوية ، فما ذقت طعم نوم بعده ! يوم حوزة الثاني قال : ثم غزاهم صخر ، فلما دنا منهم مضى على الشماء ، وكانت غراء محجّلة « 2 » ، فسوّد غرتها وتحجيلها ، فرأته بنت لهاشم ، فقالت لعمها دريد : أين الشماء ؟ قال : هي في بني سليم ، قالت : ما أشبهها بهذه الفرس ! فاستوى جالسا فقال : هذه فرس بهيم ، والشماء غراء محجلة . وعاد فاضطجع ، فلم يشعر حتى طعنه صخر . قال : فثاروا وتناذروا ، وولى صخر وطلبته غطفان عامة يومها ، وعارض دونه أبو شجرة أبو عبد العزى ، وكانت أمه خنساء أخت صخر ، وصخر خاله ، فردّ الخيل عنه حتى أراح فرسه ونجا إلى قومه ، فقال خفاف بن ندبة لما قتل معاوية : قتلني اللّه إن برحت من مكاني حتى أثأر به فشد على مالك سيد بني جمح فقتله ، فقال في ذلك : فإن تك خيلي قد أصيب صميمها * فعمدا على عين تيمّمت مالكا « 3 » نصبت له علوي وقد خان صحبتي * لأبني مجدا أو لأثأر هالكا « 4 »

--> ( 1 ) البكرة : الفتية من الإبل ( 2 ) محجلة : التي يكون البياض منها في موضع الخلاخيل والقيود ( 3 ) يقال : فعلت ذلك على عين أو عمد عين ، أي بجد ويقين ( 4 ) علوي : فرس خفاف بن عمير